اية منظمة تحرير نريد! عربية

Dr: Adel Samara

اية منظمة تحرير نريد! عربية

منظمة التحرير الفلسطينية:

من التحرير إلى الاستدوال…ما المتبقي!

وما العمل؟

د. عادل سماره

مساهمة في نشاط اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في دمشق/الشام 24-25 حزيران 2022- تحت عنوان:أية منظمة تحرير فلسطينية نريد؟

تحية عروبية طيبة لكم/ن جميعاً

لا كتابة عن فلسطين ولا فعلاً لفلسطين خارج السياق العروبي. ولا موقفاً للمثقف المشتبك في الواقع العربي الراهن إلا إذا بدأ وطنياً. ولا مُقام له ولا أمان في هذا الوطن الكبير سوى بقول ما يجب ودفع ما يترتب على ذلك من ثمن. سلاحه هو النقد الحامض يُطهر به دخيلته قبل غيره والنقد أصعب من الكتابة لأنه من جهة اشتباكاً ومن جهة هو الجمع بين القدرة على الكتابة والقدرة على الرد وعلى التحليل والتجريد. بل هو كذلك موقف ديمقراطي بحق لأن الناقد يُقدم نفسه منتمياً منحازا جدليا لصالح القضية الوطنية والطبقية والأممية معاً.

لا أمان للمثقف في عالم راس المال والتبعية في المركز والمحيط لا فرق:

• فالنظام الوطني البرجوازي يطلب عقله وموقفه

• والنظام التابع الخائن والمطبِّع يطلب عنقه

وفي غياب حركة الثورة الحقيقية، تحب الجماهير مثقفها العضوي المشتبك لكنها لا تملك إلا أن تبكيه وأحياناً سراً. وهذا ما يؤكد ثِقل مهمة المثقف في غياب الحزب حيث المشروع الذي يتحداه كل لحظة:

كيف نستعيد الجماهير؟

كيف نستعيد الشارع؟

كيف نستعيد الطبقات الشعبية خاصة؟

هؤلاء الذين جرى استلاب وعيهم ورزقهم ووطنهم ومن ثم مستقبلهم على مدار قرون يستحقون من المثقف مواقف اشبه بالعمليات الفدائية الفردية التي بمجموعها وتكراراها تساهم في رفع السقف العام لاستعادة هذه الطبقات الشعبية روحها وعقلها وفعلها وتضحياتها.

من هنا، يكون من الواجب اللازب قول الحقيقة وإيصالها لأهلها لأن هذا وحده الذي يحمي الوعي الجمعي للأمة وبلا شك للجيل القادم . وهذا القول هو النقد النابع من الروح والعقل مصقولين بالتجربة على مرارتها.

ثقيلة هي المهمة، ولكن لا بد من حملها. وحين تحملها ينفض عنك الكثيرون خوفاً وينقض عليك الكثيرين حقداً. ويبقى الأهم، أن لا يكذب المثقف العضوي الثوري المشتبك (والمشتبك صفة وجدت عليَّ نحتها منذ ربع قرن تقريباً لضرورتها كي لا يبقى المثقف ثورياً في ما يفكر ويكتب ولكن لا يشتبك)، قد يمارس الكتابة السِّرية، لكن إذا تمكَّن من العلن فإما أن يصدق وإما أن يصمت.

ليس هذا التقوُّل اليوم من جانبي بسردٍ تاريخي، لأن واقعة واحدة من واقعنا تشرح تاريخاً بأكمله.

هنا يمكن بعض القول في هزيمة حزيران التي كشفت بأن البرجوازية العربية المعاقة عاجزة، وإن كانت راغبة في إنجاز المشروع العروبي المتراتب والمجسد في التنمية والوحدة التحرير.

وشرط التنمية أن تكون ديمقراطية لتتحول إلى تنمية بالحماية الشعبية وهي حينها تخلق بيد الجماهير الشعبية وجوب الوحدة ومنها يصبح التحرير قيد اليد.

لذا، انهار الفساد وشراء عواطف البرجوازية والبرجوزاية الصغيرة، أو الطبقة الوسطى ، كما يحب متغربني التعلُّم، وجرى إهمال الطبقات الشعبية صاحبة الحق في الديمقراطية الاقتصادية والسياسية والثقافية معاً.

وبتحديد أكثر، كانت الأنظمة قومية التوجه تعشق البرجوازية التي لا تعشق سوى مصالحها، بينما الطبقات الشعبية تعشق تلكم الأنظمة حبا عذرياً، ولا اصدق هنا من قول الشاعر:

عُلِّقتُها عَرَضاً وعُلِّقت رجلاً غيري… وعُلِّق أُخرى ذلك الرجلُ”

لذا، كانت الهزيمة أمرً ممكنابينما كان النصر حلماً طاغياً. كانت الهزيمة شرطاً طالما الطبقات الشعبية تدعم النظام وصولاً إلى التضحية من أجله، نعم، بينما النظام ينام في فراش البرجوازية والبرجوازية تنام مصلحياً في حضن العدو تابعة بذٌلْ، اي تمارس الخيانة ، أو تتخاذل عبر عدم إيمانها بالقتال لأن مصالحها وبقاء عروشها تقتضي ذلك.

أما أنظمة التبعية والخيانة، فلم تكن حتى سلبية بل كانت ولم تتوقف بعد عن التخندق في جانب الكيان والإمبريالية وهذه يضجُّ بها الخليج وعروش الممالك والإمارات والمشيخات والسلطنات.

إثر ذلك تسابق كثير منا على نقد بل سلخ جلد الأنظمة البرجوازية البيروقراطية قومية التوجه بينما غيَّبوا كشف أنظمة التبعية والعمالة. وانسحب العديد من الأحزاب والمثقفين القوميين والشيوعيين إما إلى البيوت أو إلى التذيُّل للأنظمةأو إلى أموال الأنجزة وبريق مظهرها، أو حتى إلى الردة وتصنَّع بعضهم التديَّن فسبق المؤمنين إلى المساجد بينما كان التخندق البائس في فترة ما:

“الإخوان الملحدين”

مقابل

“الإخوان المسلمين”

، فكان الفراغ الرهيب.فراغ من عنفوان الأنظمة قومية توجه التي أخذت تساوم من وصفتهم هي نفسها، وبحق، يوم امس كعملاء.

وفراغ من حركة ثورية لتقوم على الأقل بحماية الوعي الجمعي

وكان طبيعي أن يمتلىء الفراغ :

رسمياً بأنظمة التبعية والخيانة وبالطبقات الرأسمالية الكمبرادورية والطفيلية وهؤلاء لديهم المال

وثقافيا لديهم ثقافة قوى الدين السياسي ولديهم المؤسسة الدينية.

في أعقاب تلك الهزيمة، لم يعد القول عن الوحدة والعروبة والتحرير والتنمية فما بالك بالإشتراكية.

صار القول بالقطرية بدل الوحدة والطائفية التي أُفلتت من عقالها بدل القومية، بل وجرى الانتقال من تبرير عدم الوحدة بخجل ما إلى قيام نظام عربي بالعدوان على قطر عربي آخر في ذيل الإمبريالية ولنا في واقعة العدوان على العراق 1991 الدرس الاختراقي الأول للعروبة! وفيما يخص فلسطين هبط الخطاب إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والعودة إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران.

وفي تقاطع مع اندحار العمل لصالح راس المال على صعيد عالمي جرى تبني السياسات الاقتصادية اللبرالية الجديدة التي يمكن تكثيفهاعربيا في عبارتين:

تجويف الوعي الجمعي الشعبي على نطاق الوطن

لتسهيل تجريف ثروة الوطن.

ولكي لا نبتعد عن فلسطين ، عنوان الورقة، منذ تلك اللحظة بدأ يُعلن التطبيع الذي تاسس خفية مع سايكس-بيكو ووعد بلفور وتعهد عبد العزيز آل سعود بإعطاء فلسطين للمساكين اليهود وتعهد فيصل بن الحسين بذلك 1919، يا للهول كم ذهب هؤلاء باكراً للإيغال في دمنا.

كان مناخ الهزيمة مؤاتٍ لكشف الهبوط إلى التطبيع.

وهنا كان التناقض الواضح بين:

حركة مقاومة شعارها التحرير

وأنظمة شعارها استعادة المحتل 1967 وهو ما التقت عليه الأنظمة قومية التوجه والأنظمة المعادية للعروبة، اي هبط الأُول إلى مصاف الأُخر! ولم يعودوا حتى ب “خُفَّيْ حُنينْ”.

وهنا كان التطبيع من حركة المقاومة مع الأنظمة التي حصرت الأمر في حدود 1967 اي اعترفت بالكيان بلا رتوش، سواء أعلنت أم تكتمت.

هذا إلى أن جاهر النظام المصري بالاعتراف بالكيان ليأتي حاكم مصر ذليلاً إلى القدس المحتلة بشعار “كسر الحاجز النفسي” الذي في حقيقته خنوع النفس الكسيرة.

وهنا، كانت نقطة التحول الأشد خطورة على الصُعد الرسمية والحزبية والشعبية.

كان قرار عزل النظام المصري صائباً، لكن التراجع عنه كان متوقعاً وانتهى خطيراً. فرفضُ نظام ساوم العدو على الأرض هو مشروع وعبء ومهمة لا تحملها البرجوازية التابعة.

وعليه، فإن اي نظام أو حزب أو مثقف اقام أو أبقى على علاقة بالنظام المصري قد مارس التطبيع بوعي، بغض النظر عن أي خطاب عالي الكلام، وساهم في التأسيس لما وصلنا إليه.

من حينها، بدأ دمج الكيان في الوطن العربي اندماجا أو دمجا مهيمنا، وبتدريج خبيث وهذا “الاندماج المهيمن” كنت كتبت عنه منذ ثلاثين سنة.

يمكننا القول بأن كل من اقام علاقة مع نظام التطبيع كان قد قال بمواربة ما، : إن الكيان الصهيوني حقيقة واقعة، ومن هنا جرى تداول عزمي بشارة (وكثيرين غيره)، المبشر بالاعتراف بالكيان الصهيوني في مختلف أنحاء الوطن العربي رسمياً وأخذت تحج إليه وفود المثقفين باعتباره قوميسار سياسي قومي رغم أنه عضو كنيست يعترف تماما بالكيان الصهيوني! فكيف يستقيم من يعتبر فلسطين عربية وبين من يعتبرها صهيونية! هل يُعقل أن هؤلاء لم يفكروا في هذا الأمر؟ أم أنهم جميعاً يعتبرون حديثهم عن التحرير شعارا ويافطة بينما جوهريا قد استدخلوا الهزيمة. هذا إلى أن جرى تتويج الرجل كمنظِّر لتدمير سوريا وغدا قوميسار إرهاب قوى الدين السياسي واصطفَّ، بالمال، على ابوابه القَطَرية آلاف “المثقفين، والأكاديميين/ات لا سيما من مغادري اليسار والقومية والشيوعية”.

وفي أعقاب تطبيع نظام مصر كان تطبيع منظمة التحرير الفلسطينية . وقد اثبت الواقع بأن كل من بقي في هذه المنظمة بعد الاعتراف بالكيان هو معترف بالكيان مهما علت نبرة خطابه.

وكان التطبيع من نظام الأردن إلى أن وصلنا الموجة التطبيعية الثانية من أنظمة الإمارات والبحرين والمغرب، هذا إن لم نذكر انظمة التطبيع الفعلي وغير المعلن وخاصة قطر والسعودية.

والمهم هنا أن هذا الاعتراف الفعلي بالكيان ينطوي على ما هو أخطر لأن الكيان لم يكن ولن يكون بصدد الاكتفاء بالمحتل 1948 والأنكى أن كل هؤلاء يعرفون ذلك. ورغم كل هذا كانت المبادرة الرسمية العربية المسماة بالسلام خيار استراتيجي بل هو الاستسلام الجماعي رسميا بهدف إيصال الطبقات الشعبية إلى الركوع.

أدركت الثورة المضادة هذا وهي التي تعلم سقوط الجدران:

• سقوط الجدار الرسمي البرجوازي

• وسقوط كثير من الجدار الحزبي

• ولكن كان ولا يزال هدفها سقوط الجدار الشعبي.

وكان الصمود السلبي للطبقات الشعبية العربية التي مورست ضدها الحرب الأهلية الطبقية من هذه الأنظمة منذ قرن كأنظمة احتلال وصلت خدمتها ، لا تخادمها، للإمبريالية والصهيونية درجة قيامها بخدمة مصالح الأعداء كما لو كانوا في عواصمنا، فأي إراحة للأعداء هذه، واية جباية لصالحهم! ومن هنا تحديداً باتت علينا استعادة هذه الطبقات الشعبية أو الشارع إن صح التعبير.

كان التراجع أمام الثورة المضادة بخطاب مجوَّف من طراز ضغط النظام العالمي، الأسرة الدولية دُعاة السلام، الحصار الاقتصادي…الخ.

لكن الرد الفعلي، الدرس الفعلي من الثورة المضادة، وإن جاء متأخراً، دحض هذا كله.

من يُنكر ان كلفة حرب قوى الدين السياسي والاستشراق الإرهابي منذ 2011 ضد الجمهوريات مكلف أضعاف ما كانت ستدفعه لو تماسكت ضد التطبيع وانحازت للطبقات الشعبية! لقد دُفع ثمن إما الاستخذاء أو الجهل بطبيعة الثورة المضادة التي لا تعرف المساومة! نعم، البرجوازية غير الإنتاجية وغير ذات المشروع المتمحور على الذات، في النهاية تركع.

لم ينحصر التطبيع في الأنظمة الرسمية، بل تورطت فيه الأحزاب التي تصالحت مع الأنظمة، وتورط فيه كثير من المثقفين ليتشكلوا في الطابور السادس الثقافي. وإلا ما معنى أن تجد مثقفين كبارا ومفكرين يزحفون على كراماتهم إلى الخليج للحصول على أُعطية وليتحدثوا بألسنة ملتوية تقتل ما أنتجوه حينما كانوا أحراراً في ذاتهم على الأقل.

لذا، حين يسال البعض لماذا لم يكن النهوض؟

نقول بأن النهوض قد لا يأتي دفعة واحدة وفجأة، لكن التاسيس له هو الأساس، وفي التأسيس يسقط الكثير من الفدائيين جرحى وشهداء.

وهنا نصل إلى خطورة تدجين الأحزاب والمثقفين وتذويت كثير منهم للهزيمة وسحق كثير منهم بالقمع.

وحين يحصل ذلك السقوط نتأكد لأنه ليست هناك:

• لا قوة مثال ، وقوة المثال مقصود بها الحزب الثوري والعمق الفكري.

• ولا قوة عقاب على السقوط ونقصد تسامح الأحزاب مع من خان وتساقط.

مقابل هذا التراجع واصلت الثورة المضادة هجومها حتى صار الحد الأدنى المطلوب توفر جيوب مقاومة بعد التراجع لإعاقة تقدم الثورة المضادة، وهذا مطلوب اليوم وخاصة حين اصبح التطبيع والتفريط والإتيان على الوطن والشعب من الوقاحة بمكان، وهنا صار يُدعى من يتصدى لهذا الهجوم بالمثقف الانتحاري.

فالطابع العام للوضع العربي اليوم هو:

• تبعية معظم الأنظمة أولاً وعلانية

• تفارقات نسبية بين تبعية وأخرى

• الحرب من نظام على آخر وتدميره بجيوشها سواء الرسمية أو إرهابيي الدين السياسي إراحة لجيوش الإمبريالية بأداء الدور نفسه في خدمتها وخدمة الصهيوني

• والتطبيع مع العدو كسيد مندمج اندماجاً مهيمناً .

وهكذا، فإن أخطر مغامرة تقع فيها حركة التحرر العربية هي إعادة تتويج البرجوازية التابعة وخاصة حيث راكمت هذه البرجوازية سواء الطفيلية والكمبرادورية والتجارية الكلاسيكية خبرات التبعية لعقود طويلة وبنت مصالحها على أن تصبح، وقد اصبحت، إمبريالية على وطنها.

من هنا وجوب أن يبقى المشهد العربي تحت دقيق المتابعة لما يحصل وعدم تضخيم بعض السياسات الجزئية والمؤقتة من هذا النظام أو ذاك.

منظمة التحرير:

عناداً لواقع مصطنع، فالقضية بدأت عربية ولاستعادة زخمها لا بد من تجليسها لتعود عربية.

لن أعود إلى سرد موسع إلى الوراء، ولكن المقاومة الفلسطينية منذ بدايات الإستيطان الصه/يودي كانت مشاركة العرب تطوعياً في هذا النضال الذي اتصف ب:

• التطوع العفوي

• وغياب حواجز/حدود الأنظمة.

لذا، كان لا بد للعدو الإمبريالي أن يخلق كيانات سايكس-بيكو كي تحتجز تطور الأمة وتفاعل كل كيان مع الآخر ذهاباً إلى التهيئة بأن كل كيان/قطر هو أمة ليس له مع الآخر سوى جوار جغرافي بالصدفة.

ولذا، يمكننا القطع بأن هناك علاقة حبل سُرِّي بين التجزئة عام 1916 ووعد بلفور لزرع الكيان الصهيوني الإشكنازي 1917 كما أسلفنا، وهذا يعني أن التطبيع بدأ من حينها بعلم العدو والأنظمة الدُمى وغياب ذلك عن الجماهير وحركة التحرر العربية.

توقفت المشاركة النضالية الشعبية العربية بعد هزيمة 1948 لينخرط النضال الفلسطيني ضمن الأحزاب القومية اي حزب البعث وحركة القوميين العرب بشكل خاص، وضمن التشكيلات الفدائية من مصر وسوريا.

يمكن التأريخ لتغير ملحوظ في بنية النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصه/يودي بعامي 1964/65.

فمن جهة كان إعلان م.ت.ف بمبادرة مصرية. وهو الأمر الذي جرت له عدة قراءات ملخصها:

• إما ان الهدف هو تجميع شتات الشخصية الوطنية الفلسطينية ليكون الفلسطيني راس حربة المقاومة للتحرير والعودة، وعليه كان الميثاق القومي.

• أو أن مصر وبقية الأنظمة العربية قد بدأت تنفض يدها من النضال للتحرير ورمت العبء على الفلسطينيين وحدهم ليتواصل اجترار المطالبة الدبلوماسية “بحق العودة”.

هنا تجدر الإشارة إلى أن مطلب/بل توسُّل حق العودة كان غالباً ما يحل محل التحرير مما قاد إلى تسهيل خلق الإلتباس في مجرى النضال للتحرير. وجعل، لاحقاً، من السهولة بمكان تجاوز التحرير والعودة إلى الاستدوال!

ومن جهة ثانية، بدأت إثر النكبة مجموعات فلسطينية في العمل بشكل مستقل أو موحد من أحزاب سياسية عروبية وهي التي تبلورت لاحقاً في ابطال العودة وفتح وجبهة التحرير الفلسطينية…الخ.

تفيد تطورات السنوات القليلة بين منتصف 1965 وهزيمة 1967 بأن ميلاد م.ت.ف قد ترافق مع بداية “موات” موجة النهوض القومي العربي لتلك الفترة مما أفقد هذه المنظمة حاضنتها /ظهيرها العروبي لتجد نفسها في حالة من الارتباك بمعنى:

• تفكك الظهير الرسمي العربي وقيام فصائل المنظمة للتعاطي مع هذا النظام أو ذاك كل فصيل على حدة.

• غياب التطوع السهل للمقاومين العرب ومحاربتهم من قبل الأنظمة.

• عدم تبلور النضال الفلسطيني في جبهة وطنية واحدة حيث سارت على نهج جامعة الدول العربية.

على نسق التشبه بجامعة الدول العربية بتعدد الفصائل ، وتغيير الميثاق إلى “القومي الفلسطيني إلى الوطني ثم شطبه بحضور الرئيس الأمريكي ألسبق بيل كلينتون” يمكننا القول بأن ذلك كان بداية مبكرة للاستدوال قبل اي حديث عنه.

بدأ النضال الفدائي الفلسطيني، في طوره المتجدد،

بشكل اساسي في المحتل 1967 ومن الضفة الشرقية من الأردن إثر هزيمة 1967 ويعزى ذلك إلى ضعف قبضة النظام إثر الهزيمة وليس إلى قبوله بأن يكون الأردن حاضنة للمقاومة. ومن حينها تبلور قانون اجتماعي نضالي عام هو:غياب النظام التابع أو ضعفه هو شرط نهوض المقاومة.وهنا يمكننا إيراد ثلاث ملاحظات::

الأولى: ان المقاومة بعد 1967 غدت فلسطينية مع بعض التطوع العربي الشعبي خروجاً على تقييدات الأنظمة، أي بدأت تنقطع عن العمق العربي بقصد من كثير من قياداتها الواقعة بين القطرية أو الغرور.

والثاني: أظهرت الهزيمة غياب حركة تحرر عربية تدعم المقاومة و/أو تناهض الأنظمة المهزومة والأنظمة التي لم تشارك في اي نضال اساساً وخاصة الخليج والممالك.

والثالث: أن الأنظمة العربية إما لم تضطلع تجاه المقاومة الفلسطينية بدور الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية تجاه الثورة الفيتنامية، بل بالعكس تماماً حيث اتخذت دور المتآمر على المقاومة، أو دعمت المقاومة ولكن في حدود ما لا يضعها في مجابهة مع الكيان وألإمبريالية وفي حدود قدرة كل نظام على احتواء المقاومة أو فصيل منها.

من اللافت في هذا السياق أن التمويل الخليجي للمنظمة أو لبعض فصائلها ما كان ليحصل بمعزل عن مخطط أمريكي لتحويل المقاومة إلى حركة متمولة متبقرطة وصولاً إلى تبنيها الاستدوال بدل التحرير. فلا يمكن لنظام تابع للإمبريالية أن يدعم تحرير فلسطين بل لا يُسمح له.

لا داع للتفصيل في ملابسات العلاقة بين المقاومة والنظام الأردني، ولكن أخطاء المقاومة ليست العامل الأساس في الوصول إلى مذبحة ايلول، لأن النظام نفسه تابع للإمبريالية وله علاقات تحت الطاولة مع الكيان منذ ثلاثينات القرن العشرين.

هذا الوضع هو الذي أهَّل النظام الأردني لتصفية المقاومة بمذبحة ايلول ومن ثم رحيلها إلى لبنان حيث الدولة الرخوة من دول الطوق الذي لم يكن طوقاً حقيقياً. فلو كان حقيقياً لكانت سوريا ولبنان مفتوحتين للمقاومة، وهذا لم يحصل. إنه طوق في العنق!

هل كان بوسع سوريا احتضان المقاومة وإطلاق يدها من الأراضي السورية؟ هذه مسألة لها معنيين:

الأول: أن نظام عربي واحد لا يمكنه مواجهة الآلة الإمبريالية الصهيونية لأن هذه المواجهة تشترط وحدة بلدان الطوق على الأقل، وهذا لم يحصل حتى في ايلول لحماية المقاومة من النظام الأردني فما بالك بالحلف الإمبريالي الصهيوني!

والثاني : أن النظام السوري بطبيعته غير مؤهل ثورياً ليكون ظهيرا وحيداً للمقاومة.

ولذا، استفادت سوريا ومحور المقاومة من رخاوة أو غياب الدولة الحقيقية في لبنان لإنجاز تحرير الجنوب اللبناني، وواصلت سوريا عدم التطبيع.

متغيرات أكتوبر 1973:

وحيث لم يتم استثمار انتصار أكتوبر المحدود عربياً فإنه لم يتم بالطبع استثماره لصالح القضية الفلسطينية. لقد ذهب النظام المصري باتجاه الاستسلام للعدو حيث كان بوسعه على الأقل اتخاذ موقف عدم مواصلة الصراع المباشر ولكن عدم التفاوض والتطبيع. وهذا دليل على الطبيعة الطبقية للنظام في مصر بمعنى أن الفترة الناصرية لم تستأصل البرجوازية الطفيلية والكمبرادورية ولا قوى الدين السياسي حيث قفزت هذه على السلطة بانقلاب سهل قام به السادات كما اشرنا.

لقد نسب كثيرون هذا الاستسلام الرسمي الطبقي المصري إلى “خبث/عبقرية” كيسنجر، ونعتقد أن هذه مبالغة في شخص كيسنجر وتغطية على هشاشة النظام المصري وجاهزيته للاستسلام وتناقضه مع المشترك القومي العربي.

مثَّل تهافت الوضع الرسمي العربي وغياب حركة التحرر العربية مناخاً مناسبا ً ومبرّراً ً لتهالك م.ت.ف بمختلف فصائلها، وإن تباين مستوى التهالك. وكانت قررات مؤتمر الرباط 1974 غطاء أو تشجيعاً لتورط م.ت.ف في المساومة حيث رُمي العبىء الفلسطيني على المقاومة وحدها .

وبدأ الحديث عن اشكال متعددة من المساومة:

• سلطة وطنية على كل شبر محرر

• دولة فلسطينية في الضفة والقطاع مشروطة بعدم الاعتراف بالكيان

• دولة فلسطينية على المحتل 1967

إثر هذا تشكلت جبهة الرفض للتصدي للاتجاه التسووي، لكنها عادت لتنضوي تحت راية ما تسمى “القيادة المتنفذة” لمنظمة التحرير الفلسطينية.

منذ تلك الفترة إتسع الحديث عن “السلام” ودولة فلسطينية، والاستعداد للتفاوض…الخ وهذا ما يمكننا تلخيصه بمصطلح “الاستقواء بالضعف”.

إلى أن عقد النظام المصري اتفاق كامب ديفيد 1979 ولم تقطع قيادة المنظمة علاقتها به مما يؤكد ذهابها في ذلك الاتجاه.

من المهم الإشارة إلى أن رئيس وزراء الكيان عرض الحكم الذاتي للضفة والقطاع من حينها. ورغم الرفض الشكلاني لهذا من مختلف الفصائل، إلا أنه بقي هو المعروض الوحيد من الكيان والذي تجلى لاحقاً في ما أُسمي اتفاقات أوسلو والتي هي فعليا “إعلان مبادىء” وجوهرها حتى اليوم مجرد حكم ذاتي.

مثَّلت الانتفاضة الكبرى 1987 محظة رئيسية في النضال الشعبي الفلسطيني لكن للأسف جرى استثمارها وتوظيفها لصالح الاستدوال بدل تعميقها لتصبح انتفاضة تنموية وثقافية مما يؤهل شعبنا لنضال مديد قادم لأن الانتفاضة على أهميتها لم تكن قادرة حتى على إنجاز دولة في الضفة والقطاع حتى باعتراف بالكيان. وهو ما كتبتُ عنه في بداية عام 1988 بوضوح بأن الانتفاضة لن تجلب دولة.

وعليه، فإن إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر 1988 لم يكن سوى شعار شكلاني لتسهيل قبول كافة الفصائل به وكذلك قبول الأنظمة العربية بهذا الادعاء مما يؤكد الانسجام الخفي بين الفصائل والأنظمة على الذهاب نحو الاستدوال ومغادرة التحرير وهو ما اتضح ، كما اشرنا، في إعلان المبادىء وعودة قيادة م.ت.ف إلى قطاع غزة واريحا ثم المدن في الضفة الغربية.

إن مجيىء قيادات الفصائل وخاصة أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى الضفة والقطاع المحتلين هو اعتراف بالكيان على المحتل 1948 وعلى مناطق (ج) من الضفة الغربية. ولا معنى لمزاعم بعض الفصائل بأنها ترفض أوسلو.

منذ إقامة سلطة الحكم الذاتي 1993 وحتى اليوم يجري تمويه الصراع مع الكيان بما هو تناقض تناحري بتسميات وشعارات مختلفة لا تخرج عن كونها تمارين رياضية لا أكثر مثل:

• دولة فلسطينية في حدود 5 حزيران 1967

• دولة واحدة ديمقراطية

• دولة مع المستوطين

وفي الحقيقة، فإن ما هو على الأرض منذ حزيران 1967 هو ما اقامه العدو “دولة واحدة لكل مستوطنيها” وأن الفلسطينيين رعايا طارئين فيها.

المقاومة اللبنانية كمتغير اساسي:

تمكن العدو من اقتلاع المقاومة الفلسطينية من لبنان وجرى تسهيل ذلك بضغط من البرجوازية الطائفية اللبنانية بزعم إنقاذ بيروت. لكن عدم اكتفاء الكيان باقتلاع المقاومة الفلسطينية وتشتيتها ما بين تونس واليمن، وبقاء جزء منها في شمال لبنان وفي سوريا بل بقي يحتل الجنوب اللبناني الأمر الذي دفع المقاومة اللبنانية لمواصلة النضال ضده إثر طرده من بيروت على يد المقاومة الوطنية بداية بالقومي السوري والشيوعي ومجموعات أخرى وصولا إلى حزب الله ومن ثم اقتلاع الاحتلال من معظم الجنوب اللبناني وتبلور محور المقاومة الممتد من طهران إلى دمشق إلى الضاحية الجنوبية من بيروت.

وهنا، كان التحدي للفصائل الفلسطينية ملخصة في منظمة التحرير الفلسطينية، اين تقف؟

يعني محور المقاومة إعادة الصراع إلى جوهره التناحري مما يمثل تحدياً لمختلف الفصائل الفلسطينية والأنظمة العربية وليس لأنظمة الطوق فقط.

وهنا يبرز التناقض مع التطبيع الثلاثي وتحديد موقف منه:

• التطبيع مع الكيان الصهيوني

• التطبيع مع الأنظمة بل الدول التي تدعم الكيان وتنحاز إليه

• والتطبيع مع الأنظمة التطبيعية العربية.

يقود هذا الفرز إلى السؤال التالي:

هل بقيت منظمة التحرير الفلسطينية بعد كافة هذه التطورات؟ وإن بقيت ما هي ومن هي؟

• هل هي سلطة الحكم الذاتي التي تعترف بالكيان وتعلن تمسكها بالتنسيق الأمني

• هل هي اللجنة التنفيذية للمنظمة التي تلتقي تحت وجود الاحتلال؟

• هل هي مجلس الحكم الذاتي المسمى تشريعي؟

• هل هي المجلس الوطني ؟

هل هي المجلس المركزي؟

على ضوء كل هذا، وخاصة بعد أن أعلنت السلطة في رام الله تقزيم م.ت.ف إلى دائرة من دوائر السلطة،حيث ابتلعت الإبنة أمَّها، فإن منطق الأمور هو فك الارتباط بين سلطة الحكم الذاتي وبين منظمة التحرير وأن تنضم هذه المنظمة كمنظمة إلى محور المقاومة. ولأن هذا ليس ممكناً بشكل جماعي، فإن اي فصيل/فصائل فلسطينية متمسكة بالتحرير عليها إخراج ممثلها في اللجنة التنفيذية من الأرض المحتلة والانضمام إلى محور المقاومة باسم منظمة التحرير الفلسطينية ، اي نقل منظمة التحرير نفسها إلى محور المقاومة، تلافياً للوقوع في خلق تسميات تثير الجدل ومساهمة في تنوير الشعب. وليُترك لسلطة الحكم الذاتي ذهابها في طريق التفاوض والتنسيق الأمني إلى أن ترتطم بجدار لا يتزحزح، إن لم يحصل بعد. ونقصد هنا عدم الذهاب إلى اشتباك فلسطيني فلسطيني.

قد يرى البعض هذا انشقاقا ما. ولكن ليس الأمر كذلك، فإن منظمة تحرير فلسطينية تحت الاحتلال هي توليفة بلا معنى.

وهنا يصبح على محور المقاومة قبول هذا الفريق من الفصائل باعتباره منظمة التحرير الفلسطينية متجاوزاً اعتراض سلطة الحكم الذاتي والمؤسسات الدولية الداعية والعاملة على الاستسلام وتصفية القضية.

بعض الملاحظات:

يثير كثير من الناس تساؤلات حول طبيعة العلاقة مع قوى التضامن مع الشعب الفلسطيني وحدود قبولنا لمواقفها، وهنا أود طرح ما يلي والمبني على تجربة متواضعة تجاه المتضامنين مع الشعب الفلسطيني وجوهرها أن علينا أخذهم إلى مربعنا لا أن يأخذوننا إلى مربعهم الذي يقوم على الاعتراف بالكيان، اي عليهم الإعتراف :

• إن الصراع هو لتحرير كامل فلسطين وليس فقط لاستعادة المحتل 1967، اي إعادة القضية إلى التناقض التناحري مع وجود الكيان.

• حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية في تحرير فلسطين وعودة شعبها إلى مساكنهم وممتلكاتهم. إن التطبيع يؤكد بأن المشروع المطروح من الثورة المضادة هو تصفية أمة وليس اغتصاب قُطر.

• حق اليهود الوطنيين في البقاء في ما امتلكوه اساساً كونهم من البلد

• إعادة المستوطنين إلى بلدانهم وأممهم الأصلية والتي تربو على مئة أمة.

• من لا يمكنه ولا يستطيع فستتدبر السلطة الثورية الجديدة أمره بحيث لا يبقى محتلاً لأرض أو مسكن الفلسطيني، حتى لو تم استيعابهم مؤقتا في خيام، وحينها يكون قد حصل بيننا وبينهم “خيام تبديل ليشغلوها كما شغلناها” ، وهنا يصبح من رعايا الدولة الفلسطينية التي هي جزء من الدولة العربية الواحدة.

• الإقرار بأن ما قامت به النازية ضد اليهود كان محرقة مشتدة وبأن الكيان يقوم ضد الشعب الفلسطيني بمحرقة ممتدة. وهنا علينا الحذر من مزايدات فلسطينيين وعرباً بإنكار المحرقة النازية ، كما يثرثر “فتى المحرقة” حيث يصب جهد هؤلاء في خدمة الكيان. فليس لنا كفلسطينيين وعرباً اي دور في محرقة النازية ولا مصلحة في إنكارها كحقيقة سواء أُحرق يهودي واحد او ستة ملايين، كما أنها ربما من أصغر محارق حروب راس المال.

• طبيعي أن نقبل كل متضامن في حدود جاهزيته ولكن دون أن يأخذنا إلى موقعه هو إن لم نأخذه إلى موقعنا.

دمتم على النهج العروبي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.