NOVANEWS
شهدت العلاقة بين اوروبا وفلسطي ن منعطفات تاريخية في التاريخ ا لحديث ادت الى نتائج طويلة المد ى غاية في الاهمية.
* بين وعد بلفور ونكبة عام 1948:
منذ اعلان بلفور في الثاني من تشرين الاول 1917، تورطت المملكة المتحدة ومن ثم دول اوروبية اخرى في المسألة الفلسطينية. منذئذ والرواية الصهيونية حول فلسطين اصبحت مسموعة ومدعومة من قبل الدول الاستعمارية ماديا ولوجستيا. على مدى النصف الاول من القرن العشرين تم دعم الوجود اليهودي وتصليبه على ارض فلسطين من خلال العديد من السياسات الاستعمارية على حساب الحقوق الفلسطينية كتنفيذ لوعد بلفور وصك الانتداب الصادر عن عصبة الامم في العام 1922. في هذا الاطار تم استغلال الفظاعات التي واجهت المجتمعات اليهويدية في اوروبا اثناء الحرب العالمية الثانية الى ابعد مدى من قبل الدول الاستعمارية لترسيخ الوجود اليهودي في فلسطين والتي تسببت في نهاية المطاف باكبر عملية طرد وتطهير عرقي للفلسطينيين نحو الشتات من خلال مذابح ممنهجة ارتكبت بحقهم. ولقد استطاعت دولة الاحتلال الناشئة حديثا آنذاك والتي تم الإيذان بنشأتها دوليا بعد قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية للامم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني للعام 1947 أن تستفيد من الدعم الاوروبي وغيره لهذا القرار في تسويق ذاتها عالميا بعد حرب العام 1948 وما نتج عنها من نكبة للشعب الفلسطيني.
* تغيير قواعد اللعبة:
إثر ذلك، اصبح ما يقارب الـ 950 الفا من الفلسطينيين مهجرين في دول ومناطق أخرى بلا مأوى بعد ان كسبت اسرائيل الحرب. ولقد كان الرد الدولي على النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني من خلال انشاء وكالة خاصة سميت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الاونروا في العام 1951 حيث اوكلت اليها مهمة رعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في الشتات ولكن دون ان يكون لها اي دور سياسي في اعادة اللاجئين الى وطنهم وبيوتهم. على مدار الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لم يكن للدول الاوروبية مجتمعة يد في دعم وكالة الاونروا او في المبادرة بطرح مبادرات سياسية لحل المسألة الفلسطينية الى ان وقعت حرب عام 1967 والتي رفضت اوروبا حتى الان الاعتراف بنتائجها السياسية. على الرغم من خطورة ما آلت اليه الاوضاع بعد الحرب الا ان المقاربة الاوروبية للشأن الفلسطينية كانت مجرد مقاربة انسانية ابتدأتها اوروبا في مطلع السبعينيات بتقديم الدعم للاونروا ولم تكن مقاربة سياسية بحال من الاحوال. بعد ان وقعت حرب العام 1973 بين مصر وسوريا من جانب واسرائيل من جانب آخر انطلق الحوار الاوروبي العربي في العام 1974 والذي من خلاله كانت الدعوات العربية لأوروبا بضرورة الاعتراف بالحقوق الفلسطينية والعربية والضغط على اسرائيل لوقف اشكال عدوانها على العرب وتنفيذ قرارات مجلس الامن 242 و 338 الصادرة بهذا الشأن. ترافق ذلك مع بروز المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها والتي الحّت على المجتمع الدولي ومن ضمنه أوروبا على ضرورة أخذ حقوق الفلسطينيين السياسية بالاعتبار كشعب واقع تحت الاحتلال الاسرائيلي.
* الاعتراف بالحقوق المشروعة لل فلسطينيين:
على الرغم من ان اوروبا كانت رافضة لتبني المقاربة السياسية فيما يتعلق بفلسطين والشعب الفلسطيني حتى حينه، اصدرت الجماعة الاوروبية في العام 1977 بيانا سياسيا هاماً أكدت فيه على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني داعية الى مفاوضات تشمل ممثلين عن كل الاطراف بما فيه ممثلين عن الشعب الفلسطيني للبحث في حل عادل ودائم للصراع العربي الاسرائيلي على أساس القرارين 224 و338 دون ان يأتي البيان على ذكر منظمة التحرير الفلسطينية صراحة كممثل للشعب الفلسطيني. بعد اتفاقية كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر برعاية امريكية في العام 1978 قفزت اوروبا خطوة الى الامام بتبنيها اعلان البندقية الشهير في العام 1980 والذي دعى الى عملية سياسية بين اسرائيل والعرب بما يشمل منظمة التحرير الفلسطينية كممثل عن الشعب الفلسطيني. كان هذا الاعلان بمثابة الاول من نوعه والذي اعترفت بموجبه اوروبا صراحة بالحقوق السياسية للفلسطينيين على هذه الشاكلة. في ذات الوقت اقدمت العديد من الدول الاوروبية على فتح ممثليات لمنظمة التحرير الفلسطينية في عواصمها كتعبير عن هذا التطور في الموقف تجاه الشعب الفلسطيني والمطالب الفلسطينية العادلة. من هنا يمكن التأريخ لحركة التأييد والتضامن مع القضية الفلسطينية بهذه الفترة الزمنية والتي اصبح بمقدور الفلسطينيين فيها اسماع روايتهم وبدأ الاوروبيون فيها يفهمون ضرورة تحقيق العدالة في فلسطين.
من الجدير ذكره ان العديد من التحديات برزت في اوروبا في الثمانينيات حالت دون ترجمة الاعلانات والبيانات الاوروبية وتحديدا اعلان البندقية الى سياسات عملية. تزامن ذلك كله مع انتهاء الحرب الباردة وبروز النظام الدولي احادي القطبية مقودا من قبل الولايات المتحدة وبروز اوروبا فاقدة للثقة بقدراتها السياسية على قيادة عملية سياسية يمكن ان تؤدي الى تحقيق العدالة في فلسطين. على عكس المنتظر، قامت دول اوروبا بتسليم الراية بهذا الشأن للولايات المتحدة مكتفين بدور الممول لعملية سياسية بين الفلسطينيين والاسرائيليين تقودها امريكا. منذ اتفاقية اوسلو في العام 1993 وحتى هذه اللحظات حافظت اوروبا على دور ” الممول وليس اللاعب” في المشهد الشرق اوسطي وتحديدا فلسطين وهو ما أدى الى اهتزاز صورتها التي يفترض انها مبنية على المبادئ ووضع توجهاتها بهذا الشأن في دائرة الشك.
* التوجه نحو الاعتراف “بدولة ف لسطين”:
بعد ثلاثة حروب متعاقبة شنتها إسرائيل على قطاع غزة في الاعوام 2008 و2012 وأخيرا 2014 مخلّفة الآلاف من الشهداء والجرحى الفلسطينيين ودمار واسع في البنى التحتية التي مولتها اوروبا بالاساس، فان الغضب والاحباط الاوروبي من إسرائيل آخذ بالتبلور يوما بعد الاخر. هذا الغضب أخذ شكل الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل البرلمانات الاوروبية او حتى بعض الدول كما حصل في السويد والمملكة المتحدة وايرلندا ومؤخرا أسبانيا. من المتوقع ان يتوسع هذا التحرك ليشمل فرنسا ودولاً اخرى في القارة وهو ما يعكس غضب الرأي العام الاوروبي على السوء في السلوك الاسرائيلي والسياسات العدوانية المرافقة في فلسطين. هذه التحركات الرسمية بالاضافة لحملات التضامن الشعبية الاخرى مجتمعة تشكل توجها اوروبيا غير مسبوق نحو إسرائيل. على الرغم من أنّ هذا ليس غاية الطموحات الفلسطينية، إلا أنّ هذه العجلة ستبقى متحركة حتى ان يتم وضع حد لأطول احتلال في التاريخ الحديث ومن ثم وضع حد للفظاعات والاحزان المزمنة التي يواجهها الشعب الفلسطيني على أرضه.



